أهم ما يسترعي الانتباه في تحقيق سيمور هيرش في صحيفة «نيويوركر» الأمريكية حول لبنان، حديثه المتواصل عن دعم جهات حكومية للسلفيين الجهاديين، وهو ما يبدو متعارضاً مع ما تروّج له عدة دوائر من أن هذه الجماعات تتلقى دعماً مباشراً من سوريا، خصوصاً ما ذكره هيرش عن دعم الأكثرية لـ«فتح الإسلام»، والمعروف أن أغلبية عناصر هذه الجماعة هم إما سوريون أو فلسطينيون قادمون من سوريا.
كما يورد هيرش عن مسؤولين أميركيين تحذيرهم من التقرّب الأمريكي من السنة على اعتبار أن الشيعة وحدهم يمكنهم حماية المسيحيين. وهذه النقطة بالذات غالباً ما أثارت قلق السنة، الذين يخشون عودة تحالف الأقليات في المنطقة (وهو تحالف ظهر في بداية السبعينيات، وتحدثت عنه العديد من الكتب الموثقة للحرب الأهلية اللبنانية). وهنا تلخيص لما ورد في تحقيق هيرش حول لبنان:
إن وجهة تركيز العلاقة الأميركية - السعودية، بعد إيران، هي نحو لبنان، حيث إن السعوديين متورطون بقوة في جهود من قبل الإدارة لدعم الحكومة اللبنانية. إن رئيس الوزراء اللبناني فؤاد السنيورة يكافح من أجل البقاء في السلطة ضد معارضة مستمرة يقودها حزب الله، المنظمة الشيعية، وزعيمها حسن نصر الله.
أعطت الولايات المتحدة دعماً سرياً لحكومة السنيورة، بحسب ما أفاد مسؤول الاستخبارات الكبير السابق والمستشار الحكومي الأميركي. وقال مسؤول الاستخبارات الكبير السابق «إننا في خضم برنامج من أجل تعزيز القدرة السنية على مقاومة النفوذ الشيعي، كما أننا نوزّع المال هنا وهناك بقدر ما نستطيع، المشكلة أن مثل هذا المال يصل دائماً إلى جيوب أكثر مما تعتقد». مضيفاً «بهذا المعنى، إننا نموّل الكثير من الأشرار الذين لديهم عواقب محتملة خطيرة غير مقصودة. ولا توجد لدينا القدرة على تحديد، أو الحصول على إيصالات بالدفع موقعة من الأشخاص الذين نحبهم، وتجنب الأشخاص الذين لا نحبهم، إنها مغامرة تحتمل مجازفة كبيرة».
وقال المسؤولون الأميركيون والأوروبيون والعرب الذين تحدثت معهم إن حكومة السنيورة وحلفاءها سمحت لبعض هذه المساعدات أن تصل إلى ايادي مجموعات سنية راديكالية صاعدة في شمال لبنان والبقاع وحول المخيمات الفلسطينية في الجنوب. هذه المجموعات، ولو صغيرة، يُنظر إليها على أنها حاجز في وجه حزب الله، وفي الوقت ذاته، فإن علاقاتها الإيديولوجية مرتبطة بالقاعدة.
وأثناء حديثه معي اتهم دبلوماسي سعودي سابق نصر الله بمحاولة «خطف الدولة»، ولكنه أيضاً عارض الرعاية اللبنانية والسعودية للجهاديين السنة في لبنان، قائلاً إن «السلفيين مثيرون للاشمئزاز وكريهون، وأنا أعارض بشدة فكرة مغازلتهم»، مضيفاً «إنهم يكرهون الشيعة، ولكنهم يكرهون الأميركيين أكثر، وإذا حاولت التفوق عليهم دهاءً، سيتفوقون علينا، وسيصبح ذلك شنيعاً».
وقال لي الباحث في مركز أبحاث «منتدى الصراعات» في بيروت الستير كروك، الذي أمضى 30 عاماً في جهاز الاستخبارات البريطانية (ام اي 6) إن «الحكومة اللبنانية تفتح المجال أمام هؤلاء الناس، وذلك قد يصبح خطيراً للغاية». وقال كروك إن إحدى المجموعات السنية المتطرفة «فتح الإسلام» قد انشقت عن مجموعتها الأم الموالية لسوريا «فتح الانتفاضة»، في مخيم نهر البارد في شمال لبنان. وفي الوقت ذاته، عضويتها تقدر بأقل من مئتين، مضيفاً «قيل لي أنه خلال 24 ساعة، تم إعطاؤهم الأسلحة والمال من قبل أشخاص عرّفوا عن أنفسهم بأنهم ممثلون عن مصالح الحكومة اللبنانية، ربما للإجهاز على حزب الله».
أكبر هذه المجموعات، عصبة الأنصار، تتمركز في مخيم عين الحلوة، وقد تلقت الأسلحة والعتاد من أجهزة أمنية داخلية وميليشيات مرتبطة بحكومة السنيورة. وفي مقابلة في بيروت، اعترف مسؤول نافذ في حكومة السنيورة أن هناك جهاديين سنة يعملون داخل لبنان، وقال «لدينا موقف ليبرالي يسمح لأصناف القاعدة بأن تتخذ لها تواجداً هنا»، رابطاً ذلك بمخاوف إزاء قرار قد تتخذه إيران أو سوريا لتحويل لبنان إلى «مسرح للصراع».
وليد جنبلاط في حديث معي في كانون الأول الماضي وصف الرئيس السوري بشار الأسد بأنه «قاتل متسلسل»، وأن نصر الله «مذنب معنوياً» في اغتيال رفيق الحريري، وفي مقتل النائب بيار الجميل في تشرين الثاني الماضي، لأنه يدعم السوريين. بعدها قال لي جنبلاط أنه التقى نائب الرئيس ديك تشني في واشنطن في الخريف الماضي من أجل مناقشة إمكانية تقويض الأسد، وقد نصح جنبلاط وزملاؤه نائب الرئيس الأميركي بأنه إذا حاولت الولايات المتحدة التحرك ضد سوريا، سيكون أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في سوريا هم «الأشخاص الذين سيتم التحدث إليهم».
وأعرب عن اعتقاده أن الولايات المتحدة تريد تقسيم لبنان وسوريا. وأوضح أنه في سوريا ستكون نتيجة ذلك دفع البلاد «باتجاه الفوضى والحروب الداخلية كما في العراق». أما في لبنان فستكون هناك «دولة سنية ودولة علوية ودولة مسيحية ودولة درزية». أضاف «لا أعلم ما إذا كان سيصبح هناك دولة شيعية». وقال نصر الله أنه يشتبه في أن يكون الهدف من الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان «تدمير المناطق الشيعية وتهجير الشيعية من لبنان». موضحاً أن الفكرة كانت جعل الشيعة يفرون من لبنان وسوريا إلى جنوب العراق.
كان روبرت باير، وهو عميل استخباراتي عمل لوقت طويل لدى وكالة الاستخبارات المركزية من أشد منتقدي حزب الله، وقد حذر من ارتباطاته بالرعاية الإيرانية للإرهاب، لكنه قال لي «لدينا الآن سنة عرب يحضرون لصراع كارثي، وسنحتاج إلى شخص يحمي المسيحيين في لبنان، كان الفرنسيون والأميركيون يؤدون هذا الدور، لكن الآن سيكون الشيعة ونصر الله».